سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
277
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
إن الدين المسيحي إنما امتد ظله وعمت دعوته في الممالك الأوروبية من أبناء الرومانيين وهم على عقائد وآداب وملكات وعادات ورثوها عن أديانهم السابقة ، وعلومهم وشرائعهم الأولى وجاء الدين المسيحي إليهم مسالما لعوائدهم ومذاهب عقولهم وداخلهم من طرق الإقناع ومسارقة الخواطر لا من مطارق البأس والقوة ، فكان كالطراز على معارفهم ولم يسلبهم ما ورثوه عن أسلافهم ومع هذا فإن صحف الإنجيل ، الداعية للسلامة والسلم لم تكن لسابق العهد مما يتناوله الكافة من الناس ، بل كانت مذخورة عند الرؤساء الروحانيين ، ثم إن الأحبار الرومانيين لما أقاموا أنفسهم في منصب التشريع وسنوا محاربة الصليب ودعوا إليها دعوة الدين التحمت آثارها في النفوس بالعقائد الدينية وجرت منها مجرى الأصول ولحقها على الأثر تزعزع عقائد المسيحيين في أوروبا وافترقوا شيعا وذهبوا مذاهب ، تنازع الدين في سلطته وعاد وميض ما أودعه أجدادهم في جراثيم وجودهم ضراما ، وتوسعوا في فنون كثيرة وانفسح لهم مجال الفكر - وأكثر ما أفادهم زحفهم إلى الشرق للحرب الصليبي ، واقتباسهم أشياء كثيرة وعودتهم بها إلى المغرب ، ومن هناك أخذت براعتهم في الفن العسكري واختراع الآلات الحربية والدفاع تسابق براعتهم في سائر الفنون . أما المسلمون ، فبعد أن نالوا في نشأة دينهم ما نالوا وأخذوا من كل كمال حربي حظا وضربوا في كل فخار عسكري بسهم ، بل تقدموا سائر الملل في فنون المقارعة وعلوم النزال والمكافحة ظهر فيهم أقوام بلباس الدين ! وأبدعوا فيه البدع وخلطوا بأصوله ما ليس منها فانتشرت بينهم قواعد « الجبر » وضربت في الأذهان ، حتى اخترقتها وامتزجت بالنفوس حتى أمسكت بعنانها عن الأعمال . هذا ما أدخله الزنادقة فيها بين القرن الثالث والرابع الهجري وما أحدثه السوفسطائية الذين أنكروا مظاهر الوجود وعدوّها خيالات تبدو للنظر ولا تثبتها الحقائق وما وضعه كذبة النقل من الأحاديث ، ينسبونها إلى صاحب الشرع ويثبتونها في الكتب وفيها السم القاتل لروح الغيرة ، وإن ما يلصق منها بالعقول يوجب ضعفا في الهمم وفتورا في العزائم . وتحقق أهل الحق وقيامهم ببيان الصحيح والباطل لم يرفع تأثيره عن